حكم التّصوير و تعليق الصّور في الشّريعة الإسلاميّة

 

الحمد لله ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيّد المرسلين.

إنّ من المسائل التي تناولتها نصوص السّنة النّبوية بأحكام صحيحة و بعبارات و دلالات صريحة مسألة التّصوير (التي عمت بها البلوى في زمننا هذا و كثر عنها السؤال و كذا الجدال) و بيان حكم الشّرع فيها فجاءت النّصوص مبيّنة حرمة التّصوير ، و أنّ المصوّرين هم أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة، و أنّهم الذين يضاهون بخلق الله و أنّ الله سيأمرهم يوم القيامة أن ينفخوا الرّوح في الصّورة، و أنّه سيكون بكلّ صورة ممّا صوّروه نفسا يعذّبون بها في النّار، كما أكّدت النّصوص الشّرعية خاصّة الحديثيّة منها على وجوب كون بيوت المسلمين خالية من هذه الصّور و التّماثيل، لأنّ وجودها (هذه الصّور) معصية تمنع دخول ملائكة الرّحمة إلى المنزل و أنّه لا يجوز نقش أو تعليق و لا صورة على جدار، كما بيّنت هذه النّصوص النّبوية كذلك و أكّدت أنّه لا يستثنى من هذه الصّور إلا ما كان رقمًا في ثوب غير معلّق مهان، أو دمية (لعبة) بيد طفل.


١) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول: إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون (متفق عليه).

٢) و عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم قال: إنّ الذين يصنعون هذه الصّور يعذّبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم (متفق عليه).

٣) و عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يقول: كلّ مصوّر في النّار، يجعل له بكلّ صورة صوّرها نفسا فتعذّبه في النّار(رواه مسلم و أحمد). و هذه النّصوص عامّة تشمل كلّ مصوّر حتّى الذين يصوّرون بالآلات الفوتوغرافية و اللّوحات اليدويّة لأنّهم يتناولهم الحكم كما يشملهم الوصف والاسم (أي المصوّر) لغة وعرفًا. فتنبّه واحذر، وتذكّر واعتبر، واجتنب التّصوير واهجر.


حرمة تعليق الصّور:


وإليك بعض الأحاديث الواردة في تحريم تعليق الصّور:

١) عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد سترت سهوة(1) لي بقرام(2) فيه تماثيل، (وفي رواية فيه الخيل ذوات الأجنحة) فلما رآه هتّكه وتلوّن وجهه وقال: يا عائشة أشدّ النّاس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله، (وفي رواية: إن أصحاب هذه الصور يعذّبون، ويقال لهم أحيوا ما خلقتم، ثم قال: إنّ البيت الذي فيه الصّور لا تدخله الملائكة، قالت عائشة: فقطّعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين، [فقد رأيته متّكئا على إحداهما و فيها صورة] (أخرجه البخاري ومسلم والسّياق له والبيهقي وغيرهم)

٢) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: أتاني جبريل عليه السّلام فقال لي: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلاّ أنّه كان على الباب تمثال [الرجال] وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمُر برأس التّمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشّجر، ومُر بالسّّتر فليقطع فليُجعل منه وسادتان توطآن ومُر بالكلب فليخرج(3) [فإنّا لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب] وفي رواية فقال: يا عائشة متى دخل هذا الكلب؟ فقالت والله (يا رسول الله) ما دريت، فأمر به فأخرج ثمّ أخذ بيده ماء فنضخ مكانه.

٣) وعن أبي طلحة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا (تمثال) تماثيل (رواه مسلم)

٤) وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ جبريل عليه السّلام قال: إنّا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صور(أخرجه البخاري ومسلم برواية عن عائشة وميمونة مثله)

٥) وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الصّورة في البيت ونهى أن يُصنع ذلك (أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح)

ما يستثنى من الصّور:


وممّا رخّص فيه الشّارع الحكيم من الصّور واستثناه ممّا حرّمه من الصّور المانعة من دخول الملائكة لا من التّصوير الباقي على المنع، الصّورة التي تكون رقماً في ثوب غير معلّق فيوطأ ويُمتهن، أو الصّورة التي هي لعبة يلعب بها الأطفال، وهذا لما جاء من الأحاديث الدّالة على ذلك وإليك بعضها: 

١) فعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنّه دخل على أبي طلحة يعوده قال: فوجد عنده سهل بن حنيف فدعا أبو طلحة رجالا فنزع نمطاً من تحته فقال له سهل: لم تنزعه؟ قال: إنّ فيه تصاوير وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيها ما علمت. فقال سهل: ألم يقل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم – إلا ما كان رقمًا في ثوب – قال: بلى ولكنّه أطيب لنفسي (رواه مالك والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح)

٢) وعن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: كنت ألعب بالبنات (الدّمى) عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا دخل يتقمّعن منه، فيسّر بهنّ إليّ يلعبن معي (أخرجه البخاري ومسلم). 

٣) ومن وجه آخر جاء عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من غزوة تبوك أو خيبر – إلى أن ذعرت وقالت -: فكشف ناحية السّتر على بنات لعائشة (لعب)، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي. قالت ورأى فيها فرسا مربوطا له جناحان، فقال: ما هذا؟ قلت : فرس له جناحان، قلت: ألم تسمع أنّه كان لسليمان خيل لها أجنحة؟ فضحك(4).

٤) عن سعيد بن أبي الحسن قال: كنت عند ابن عبّاس رضي الله عنهما إذ أتاه رجل فقال: يا ابن عباس، إنّي إنسان إنّما معيشتي من صنعة يدي، وإنّي أصنع هذه التّصاوير. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا أحدّثك إلاّ ما سمعت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، سمعته يقول: (من صوّر صورة فإنّ الله معذّبه حتّى ينفخ فيها الرّوح، وليس بنافخ فيها أبدا) فربا الرّجل ربوة شديدة، واصفرّ وجهه فقال: ويحك، إن أبيت إلاّ أن تصنع فعليك بهذا الشّجر، وكلّّ شيء ليس فيه روح (أخرجه البخاري)

 

وجوب إزالة الصّور وطمسها:


فبعدما تبيّن حكم الصّور وبصورة أوكد اتّخاذها زينة وتعليقها في البيوت العامّة والخاصّة وتأكّد كون ذلك ممّا حرّمه الشّارع الحكيم ونهى عنه أيّما نهي إذ شدّد فيه النّكير وحذّر المصوّر والمعلّق للصّور أشدّ التّحذير، فيجدر بنا الآن أن نسوق لك بعض الأحاديث النّبويّة الصّّحيحة التي تأمر بطمس التّّصاوير ونقض التّّصاليب والتّماثيل، فإليكها مختصرة غير مخلّة.

١) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم يكن النّبيّ صلى الله عليه وسلم يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلاّ نقضه (أخرجه البخاري وغيره)

٢) وعن أبي الهيّاج الأسدي قال: قال لي عليٌّ رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن لا تأتي صورة إلاّ طمستها، ولا قبرا مشرفا إلاّ سوّيته (أخرجه مسلم)

٣) وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنّ النّبيّ صلّى الله عليه و سلّم أمر عمر بن الخطّاب زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كلّ صورة فيها، فلم يدخلها النذبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتّى مُحيت كلّ صورة فيها (أخرجه أبو داود في سننه)

بيان عدم جواز بيع الصّور أو صناعتها:


لقد أصّل الشّارع الحكيم أصولا وقواعد كفيلة للمسلم بجلب البركة والخير ودفع اللّعنة والشّر، وهذه القواعد الشّرعيّة الدّقيقة على ضوئها يُتوصّّل إلى تأصيل الأحكام العامّة وحتّى الخاصّة منها، ومن هذه القواعد الجامعة المانعة والتي احتوت على حكم ماتعة وأحكام نافعة، قاعدة في بيان حقيقة الحرام وهي (ما يحرم اقتناؤه يحرم نقله وبيعه) ودليل هذه القاعدة قوله صلّى الله عليه وسلّم كما جاء من رواية عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما: إنّ الله إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه (رواه أبو داود في سننه وأحمد في مسنده)
وفي الختام فإنّه لا يسعني إلاّ أن أذكّر قارىء هذه النّصوص الشّرعيّة أو مستمعها ممّن يقرؤها بهذه الآيات التي تصف لنا المؤمنين في تعاملهم مع نصوص القرآن والسّنّة وتجاوبهم مع الأحكام المستفادة منها:

١) قوله تعالى: { إنّما كان قولَ المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون } [النّور: 51].

٢) و قوله تعالى: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالا مبينا } [الأحزاب: 36] .و قوله صلى الله عليه و سلم : ما نهيتكم فاجتنبوه و ما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ... (رواه مسلم) .ومن أقوال الأئمّة الأعلام اخترت لك قولا للإمام محمّد بن إدريس الشّافعي الذي جاء فيه : أجمع المسلمون على أنّ من استبانت له سنّة أن لا يدعها لقول أحد.
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم والحمد لله ربّ العالمين.

 

الحواشي:

(1) سهوة: هو بيت صغير منحدر من الأرض قليلا، شبيه بالمخدع والخزانة، كذا قال ابن الأثير.

(2) القرام: هو السّتر الرّقيق وراء السّتر الغليظ.

(3) رواه أحمد وأبو داود والتّرمذي وصحّحه.

(4) إنّ ضحك النّبي صلى الله عليه وسلّم ممّا يراه من فعل أو يسمعه من قول يعتبر إقرارا منه له، وهذا مقرّر في أصول الشّريعة ويسمّى بالسنّة التّقريريّة.

سيصدر قريبا

Islam.jpg