ما حكم الاستفادة من قروض وكالة تشغيل الشباب-ANSEJ-

مع تصريح بعض الجهات بإعفاء المقترض من دفع الفائدة؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله  والصلاة و السلام على رسول الله وبعد:                         

best pharm

 الرِّبا محرم بنصوص الكتاب والسُّنة، وشدَّدَ الشارع في تحريمه، والآيات في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }البقرة275.

وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}البقرة278.     

وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}   آل عمران130.  إلى غير ذلك من النصوص الشرعية الكثيرة الواردة في بيان التَّشديد في تحريم الرِّبا، وهذا يدل على عظم جُرْمِ وإثم الرِّبا ومن يتعاطاها كذلك.

وكذلك الأحاديث النبوية كانت صريحة في شأن الربا، فالله لم يلعن فقط آكلها ومُوَّكلها بل وكاتبها وشاهدها، فعن جابر قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموَّكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء".  أخرجه مسلم.

كما بيَّنت السُّنة كذلك حكم أهون الرِّبا؛ يعني أن درهم ربا أهون عند الله من ستة وثلاثيين زِنية،

فعن عبد الله بن حنظلة غسِّيل الملائكة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زِنية " . رواه أحمد. إلى غير ذلك من النصوص التي جاءت في بيان ذلك.

فلا يجوز تعاطي الربا إطلاقا، بل ينبغي اتقاء الربا واجتنابها، فكل قرض جر نفعا فهو ربا،

فهذه القروض إذا كانت قائمة ومنعقدة على اعتبار أو اشتراط  المنافع التي تترتب عليها فهي ربا، لعموم هذه القاعدة الفقهية ،ولكون هذه الصفات في العقد هي التي تُعدُّ منفعة وتُعدُّ ربا وبسببها كان ذلك القرض أو تلك المعاملة المالية محرمة.

فإذا كانت خالية من المنفعة؛ أي أن تكون قرضا من غير زيادة فلا حرج.

أما إذا كانت مع إعفاء الدولة لهذه الفوائد، فينبغي لنا أن نفرق بين الإعفاء والإلغاء.

فإذا أعفى البنك المقترضَ من دفع تلك الفوائد ليس معناه أنه ألغى الفائدة من تلك المعاملة، إنما أبقى تلك الفائدة في تلك المعاملة وذلك القرض، إنما فقط أعفى المقترضَ نفسَه من دفع الفائدة وجعل مكانه وأحلَّ محلَّه وأناب عنه غيره ليدفع عنه نيابة، فالربا في هذه الحال تبقى قائمة والحرمة كذلك.

فلا يجوز للإنسان أن يتعامل وأن يتعاطى وأن يقترض، وأن يُقبِل على هذا العمل وأن لا يَقبل تعاطي هذا العمل . 

أما إذا ألغيت من العقد ومن القرض تماما، فآنذاك يُعَدُّ هذا القرض قرضا لا يجرُّ نفعا ولا يترتب عليه نفع ولا تقترن بـه صفة الربا، يبقى بريئا ونزيها من هذه الصفات والحالات التي تجعل هذا القرض ربويا أو محظورا، فإذاً ينبغي أن يُفَرَّقَ بين الإلغاء والإعفاء .

أما إذا قام مقامَه غيرُه، كأن يتولى دفعَ هذه الفائدة وهذه القيمة المُترتِبَة على ذلك القرض وهو ما يسمى بالمنفعة والفائدة البنكية، فإذاً يترتب عليه جهةٌ حقيقيةٌ أو شخصيةٌ كأحد أقاربه      أوأحد أصدقائه أو جهة معنوية وأدبية كمؤسسة أو كبنك أو كخزينة من الخزائن تتولى دفع ذلك نيابة عنه، تبقى الحُرمة دائما قائمة؛ إنما كان فيها تعاون الناس على دفعها، فهو بهذا لم يدفعها إنما أعانه غيره على دفعها، فهو بذلك أقرَّ بِرِبَوِيَّة المعاملة وبشرعيَّتها؛ أي بجواز التعامل بها وهذا كذلك حرامٌ؛ لأنَّ العلَّة أي علَّة الحُرمة وهي الربا لا تزال قائمة، وكلما كانت العلَّةُ قائمةُ ودائمةً، كان الحكمُ قائماً ودائماً حتى تزولَ تلك العلَّة وهي علة الحُرمة  ألَا وهي تلك المنفعة التي هي عَيْنُ الرِّبا .

فالذي نُفتي بجوازه ضرورةً، هو الإقتراض من هذه البنوك أي البنوك الربوية قروضا غيرَ رَبَوِية، هذا في الحقيقة الذي يكون ضرورةً، لا ينبغي أن يعتبره الناس مباحا، ويلجؤون إلى ذلك من غير قيدٍ ومن غير ضابط ينضبطون به ،لأنَّ هذه البنوك الرِّبوية كل معاملاتها ربوية، فينبغي نصحُ القائمين عليها وزجرُهم ومنعُهم من التعامل بالربا، لأن هذا منكر ينبغي إنكاره  والانكار على أصاحبه، و هذا ضرر ينبغي إزالته.

 فلهذا فضلا عن نصحهم، ومن باب أَوْلى وأحرى بالمرء أن لا يتعاون معهم وأن لا يُقرَّهم على فعلهم وأن لا يُزَكِّيهم كذلك .

فالذي يقترِضُ من تلك البنوك الربوية قرضا، ويُعفى فيه من دفع تلك الفائدة والزيادة، يُقالُ له هذه معاملة غير ربوية ! نعم، المعاملة في حدِّ ذاتها غير ربوية ، و لكن لها صلة ببنك يتعامل بالربا ، وكأنَّه يتعاون مع هذا البنك ولو لم يكن هذا التعاون ظاهرا صريحا، فيبقى عند إمعانِ النظر والتأملِ ودقة الملاحظة والتَّعمُق فيه وحتى من غير تعمق، أنَّه بهذا الفعل يُزكِّي هذا البنك، فيوهم الناس أنَّ لهم مصالح ومنافعَ في التعامل معه، واللهُ سبحانه وتعالى أمرنا بعدم التَّعاون على الإثم والعدوان، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}المائدة 02.   

فالمسألةُ لا يحسبُها الناس هيِّـنَةً و سهلةً، إنَّما هذه مسألة عظيمة ودقيقة ينبغي الالتزامُ بالحكم الشَّرعيِّ فيها والانضباط كذلك ببيانِ الشَّرعِ لها وعدمِ مجاوزةِ الحدودِ التي حدَّدَها الشارعُ والتي قيَّدَ بها الانسانَ الشَّارعُ .

فربُّنا سبحانه وتعالى قد أمرنا  بعدم التعاون على الإثم والعدوان، كذلك الأحاديثُ النَّبَويَّةُ قد بَيَّنَتْ أنَّ {الأصل في الحرام الإجتناب} و{الأصل في الضرر الإزالة} و{الأصل في المنكر التغيير والإنتهاء} ينتهي الإنسانُ عنه وينهى عنه ويكفُّ ويمسكُ عنه، ويحاول أن يُغَيِّرَهُ قدر     استطاعتِه، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري:

سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرا فلْيُغَيِّرْهُ بيده، فإنْ لم يَستطِعْ فبلسانِه، فإنْ لم يستطِعْ فبقلبِه، وذلك أضعفُ الإيمان".  أخرجه مسلم .

 والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّمَ والحمد لله رب العالمين.

سيصدر قريبا

Fitan.jpg